ما المميز في “ما بعد الظلام” لموراكامي؟

في رحلتي لإنهاء أعماله الكاملة، الرحلة التي بدأت منذ ما يقارب السنتين ولم تنته بعد، أنهيت قبل أيام قراءة “الغابة النرويجيّة” – رواية استمتعت جداً بقراءتها على مدى أشهر طويلة، لم أرغب فيها أن تنتهي الرواية أبداً. وبعد الانتهاء من هذه الرواية، وعلى الرغم من إعجابي بمحاولة موراكامي الأولى للابتعاد عن الغموض والخيال، واعتناق “الواقعية” إن صح التعبير، وعلى الرغم من كون المنافسة بينها وبين “ما بعد الظلام” كانت محتدمة، وإعجابي بكلّ منهما لأسباب مختلفة، استقرّ رأيي بالنهاية على تفضيل “ما بعد الظلام”.

لن أقارن هنا بين الروايتين، ولا أعتقد أنّه يصحّ أصلاً، فكلاهما جيّدتان لأسباب مختلفة تماماً؛ ما بعد الظلام وأسلوب موراكامي المميز، والغابة النرويجيّة والثقل الملقى على الشخصيّات. ما أريد الحديث عنه في هذا المقال هو سبب إعجابي بما بعد الظلام، ولماذا تلخّص هذه الرواية كلّ شيء جيّد بأسلوب موراكامي الكتابيّ برأيي.

لنبدأ من الرمزيات

ما بعد الظلام

لكل رواية وجهان، الأول هو ما تقرأه وتفهمه من النص المكتوب مباشرة، والثاني هو محاولتك لربط هذا النص بما تعتقد أنّه يرمز له، قد تحتاج للقليل من القراءة عن حياة الكاتب وظروف الكتابة، وربما تفسير الكاتب نفسه لما كان يحاول الإشارة له في الرواية. الوجه الأول هو ذاته عند جميع القرّاء ويمكن للكاتب التحكّم به بالكامل، بينما الوجه الثاني عائد للقارئ بالكامل، ومهما حاول الكاتب توضيحه وتفسيره أو تجاهله، سيكون هناك اختلافات بين القرّاء في رؤيته وتفسيره.

لا أمانع قراءة رواية رمزيّة بالكامل، ولكنّ المتعة بالنسبة لي، وللكثير من القرّاء، تكمن بشكل أساسيّ في النص الظاهريّ والأحداث الواضحة الموجودة فيه. إن لم تعجبني القصّة الرئيسية نفسها، لن أحاول الدخول في رمزيات قصّة وما يحاول الكاتب إيصاله من خلالها، النصّ الظاهريّ هو ما سيقرر محاولة فهمي للوجه الآخر للعمل. بهذه البساطة.

موراكامي شخص يحبّ الترميز كثيراً في أعماله، ولكن في نفس الوقت، يدرك أهمّية الوجه الأوّل للرواية ويوليه الكثير من الاهتمام والعناية ويحرص على أن يكون ممتعاً وقائماً بذات نفسه، وهو ما يجعل رواياته بالمجمل جيّدة بنظري، فهي مكتوبة لتكون ممتعة وجذّابة، قبل أن تحاول إيصال رسالة مبطّنة للقارئ.

المتعة

بنظري، هناك ثلاث عناصر رئيسية تجعل روايات موراكامي ممتعة مقارنة بغيرها؛ الحوارات السلسة والعفويّة، ضبط أجواء كلّ حدث بدقّة، وضرب التوازن بين الغرابة والألفة. هذه العناصر الثلاثة هي ما يجعل تجربتي مع روايات موراكامي مختلفة عن تجاربي الأخرى مع الروايات، وما يجعلني أرغب بإطالة “عذاب” قراءة رواياته لأطول مدّة ممكنة.

بالنسبة للحوارات، فهي في كثير من الأحيان تنتهي وتبدأ بشكل طبيعيّ، وتنتقل من الطرف للآخر بسلاسة، وتؤدي في النهاية دوراً رئيسياً في فهمك كقارئ لهذه الشخصيّات ومنظورها للحياة. قد يخطر لك أن كلّ الحوارات تقوم بهذا بشكل أو بآخر، أو على الأقل كلّ الحوارات الجيّدة، ولكن ما يختلف هنا أنّها تفعل هذا دون تكلّف وتساهم دائماً في دفع الأحداث نحو الأمام وفي نفس الوقت تبني جزءاً رئيسيّاً من أجواء الرواية.

ضبط الأجواء لا يكون فقط عن طريق الحوارات ومواقف الشخصيات وردود أفعالها، بل يكون أيضاً من خلال تقديم التفاصيل بالقدر المناسب في النص، على عكس الكثير من الروائيين الذين يبالغون في وصف المشهد المحيط بالشخصيات قبل أو بعد الدخول في الأحداث، موراكامي يقوم بوصف البيئة المحيطة أثناء سير الأحداث، ويضيف التفاصيل المهمّة فقط من منظور الشخصيّات، بالتالي يزيل عن القارئ همّ التفاصيل المبالغ فيها ويدفع تركيزه بالاتجاه الصحيح.

يعطي ضبط الأجواء بهذه الطريقة ميّزة لكتاباته، فهو قادر هكذا على التركيز على الأحداث المهمّة، دون أن تبدو القصّة مُستعجلة أو أن يخاطر بملل القارئ، وفي نفس الوقت تسمح له بشد انتباه القارئ على ما يريده هو بدلاً من إضاعته في التفاصيل… سترى في روايات موراكامي وصفاً للموسيقى والإنارة وما يمكن للشخصيّة التفاعل معه بشكل مباشر، لكن لن تحصل على وصف للغرفة بدقّة إن لم يكن لها دوراً في القصة، وفي نفس الوقت ستكفي هذه التفاصيل لأنّها ما تركّز عليه عادة لو كنت مكان الشخصيات.

أما الغرابة فهي أقوى نقاط روايات موراكامي وأشدّها متعة برأيي، وليس فقط عنصر الغموض في القصص أو الخيال الغريب الذي يستعرض، بل الشخصيات نفسها، تصرفاتها وكلامها وأفكارها، والطريقة التي تقدّم بها إلى القصّة. يمكن لموراكامي أن يثير استغرابي في حوار طبيعيّ بين صديقين بطريقة تعجز عنها الكثير من روايات الخيال والغموض الصرف، وفي نفس الوقت، تبقى هذه الحوارات مألوفة وطبيعيّة، وتبقى الأحداث تسير “بتوجّه منطقيّ” على الرغم من كل ما يحصل. هذا التوازن هو ما يبقيك متشوّقاً لتقرأ الصفحة التالية، ولكنّه في نفس الوقت يجعلك تفهم كلّ ما حصل دون مشاكل.

ما بعد الظلام

بالنسبة لي، ما بعد الظلام هي الرواية التي يوازن فيها الكاتب ما بين العناصر الثلاثة السابقة بشكل مثاليّ، لدرجة تجعل الرواية بأكملها من الكلمة الأولى وحتى الكلمة الأخيرة ملخّصاً لما يجعلني أفضّل قراءة موراكامي بدلاً من أيّ كاتب آخر في هذه الأيّام.

يتخلص الكاتب من اللحظة الأولى من ضرورة “التمهيد” للمشاهد بأسلوب مميز، فهو يضع القارئ مكان “كاميرا” مثبّتة في زاوية غرفة، بدلاً من محاولة ربط الأحداث بشخصيّة ما، يمكن له بهذه الطريقة وصف الأماكن بشكل مباشر، ووضع القارئ في الجوّ بسرعة أكبر، وهو ما يقوم به بشكل متكرر على مدى أحداث الرواية. الأحداث نفسها تجري ضمن ليلة واحدة، وهذا عامل آخر في خلق إيقاع متسارع للأحداث.

وهنا يولي الكاتب المهمّة الأكبر في السرد إلى الحوارات بدلاً من تدخّله المطوّل، فكون الأحداث تجري في ليلة واحدة وكون الشخصيات تعلم عن بعضها بقدر معرفتنا نحن القرّاء عنها تقريباً، يعطي هذا قدرة لتشكيل وجهة نظرنا عن هذه الشخصيات وعمّا يدور من أحداث في هذه الليلة من خلال تفاعلاتها. الحوارات نفسها غير متوقّعة بقدر الأحداث التي تنجم عنها، وتبدو ممتعة للشخصيّات بقدر متعتها للقارئ أو أكثر.

أما بالنسبة لأحداث الرواية نفسها، فهي تمشي في فضائين متوازيين، الأول تجري فيه الأحداث “الطبيعيّة” إن صح التعبير، والآخر يعاني من ظاهرة خارقة للطبيعة.

الأحداث الخارقة للطبيعة والتي تجري في الغرفة التي تنام فيها الأخت الأكبر تضعها كمحور للسؤال طوال القصّة، وبطريقة ما، ينجح موراكامي -لجزء كبير من القصّة على الأقل- بشدّ الانتباه عن غرابة الأحداث التي تجري مع الأخت الصغرى في ليل المدينة، ودفع التركيز على ما يجري في هذه الغرفة، ليكون لهذا دورين رئيسيّين، الأول محاولة فهم قصّة الأخت الكبرى من خلال الفتات الذي تقدّمه لنا الأخت الصغرى في الطرف المقابل من القصّة، والثاني بناء تقابل في الأجواء بين هذين الخطّين، الأول مع حياة وضجّة الليل في المدينة، والآخر مع سكون وهدوء الغرفة المرعب.

ما بعد ما بعد الظلام

الوجه الثاني لما بعد الظلام مبنيّ بطريقة مشابهة لأعمال موراكامي الأخرى، فهو أوّلاً يركز على مشكلة من وجهة نظر فرد بدلاً من وجهة نظر المجتمع، ويستعرض هذه المشكلة من نظرتين متوازيتين، كما في الكثير من أعماله الأخرى أيضاً.

في الطرف الأول، الأخت الصغيرة، الأقل جمالاً، الأقل قدرة، الأقل تفضيلاً بين الأختين، وليلتها المليئة بالحياة، وفي الطرف الثاني، الأخت الكبيرة، الأجمل، الأكثر قدرة، وليلتها المرعبة الباردة. من بداية القصّة والتضاد بين هتين الشخصيّتين واضح، على الرغم من غرابة الأجواء والأحداث المحيطة بكلّ منهما على قدر متساوٍ تقريباً.

نرى أحداث القصة من وجهة نظر الأخت الصغرى، ومن البداية يظهر في كلامها نوع من “الحسد” لوضع أختها، ولو كان هذا مغلّفاً بنوع من الحياديّة في سرد ما يحدث في حياتهما، وفي نفس الوقت نرى التناقض بين هذا الوضع “المريح” الذي تصف فيه ماضي أختها، ووضعها المرعب الحاليّ في غرفتها، وهذا التناقض هو ما يكشف شيئاً فشيئاً مشاعر الأخت الصغرى الحقيقية نحو أختها.

في نهاية القصّة، تصارح الأخت الصغرى نفسها، وبنفس الوقت، تستيقظ الأخت الكبرى من سباتها، الذي يبدو وكأنّه بشكل أو بآخر كان نتيجة عن العلاقة السامّة بينهما، لتنتهي الرواية على تصالحهما.

إن كان عليّ استسقاء شيء من هذه الرواية، فهو أنّ التصارح مع الذات هو الحلّ، ليس للشخص نفسه فحسب، بل لمن حوله أيضاً، وهذا ما ينعكس في نفس الوقت على أسلوب كتابة الرواية نفسه – فهي تركّز على كلّ ما يجيده الكاتب بدلاً من محاولة الخروج بشيء جديد، لتصل إلى مرحلة مثالية في الأساليب الثلاثة التي تميّزه برأيي.

من ناحية أولى، أرى الكاتب هنا يتصالح مع نفسه ويحاول تقديم أفضل ما لديه، ومن ناحية ثانية، أرى الشخصيات تتصالح مع نفسها وتحاول تقديم أفضل ما لديها.

هذا لا يعني أبداً أن موراكامي لا يصلح لكتابة شيء آخر، أو أن رواياته الأخرى لم تستغلّ هذه الأساليب بالطريقة الجيّدة، ولكن في كل الأعمال الأخرى التي قرأتها -عدا الغابة النرويجيّة التي وظّف فيها أساليب جديدة تماماً وركّز فيها على نواحٍ أخرى من القصّة- حاول موراكامي تقديم شيء مختلف، إضافيّ، تجريبي، بدلاً من التركيز على نقاط قوّته، بينما ركّز في ما بعد الظلام على ما يجعل رواياته ممتعة للقراءة بغض النظر عن المستوى الذي ستحاول فهمها عليه.

ولمعناها المبطّن والظاهريّ، أعتبر بعد الظلام أفضل ما قدّمه موراكامي حتّى الآن، وإن عثرت على أفضل منها خلال رحلتي معه، ستكون تلك مفاجأة سارّة حتماً.

الصورة الافتراضية
هادي الأحمد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: