رحلة التعافي… نزهة في غابة موراكامي النرويجية

تعد رواية الغابة النرويجية أشهر روايات هاروكي موراكامي ومن أشهر الأعمال الأدبية اليابانية المعاصرة على الإطلاق، ورغم أنها تختلف عن باقي روايات موراكامي بواقعيتها الشديدة وغياب الغرائبية المميزة لباقي كتبه، إلا أن العديد من القراء والنقاد يعدونها أفضل ما كتب.

في هذا المقال حديثٌ عن نقطة الموت والانتحار، المحورية في الرواية، وهنا يجب تحذير من قد تؤذيه متابعة القراءة من وجودِ ذكرٍ للانتحار والموت والصدمة في السطور التالية، النقاش التالي قد يكون شخصياً لا يمكن تعميمه، ولكن سأقول ما بذهني من أفكارٍ عن رواية استغرقت شهوراً في قراءتها، وأنا في غاية الامتنان لتلك الشهور. 

من الواقع…

نوبة هلع، خفقانٌ شديد، عيونٌ جاحظةٌ مليئةٌ بالدموع، انهيار الساقين والانزلاق على على الأرض، حنجرة متشنجة تنادي هامسة باسم من رحل، الشعور بتمزق الصدر بألمٍ جسديٍ حقيقي، صدمةٌ عقلية وتكرار كلمات: “كذبٍ ومستحيل” 

البحث عن أي دليلٍ ينفي الواقع، إدراك الحقيقةِ الفاجعة، ترجي كل الآلهة والقوى العليا القادرين على تغيير قوانين الكون، فشل الدعاء، البحث عن الذكرى والآثار والأسباب، شعورٌ مميتٌ بالذنب، الحيرة وأسئلة تجر أسئلة، انعدام المعاني كلها، وانسدال اللون الرمادي على ثنايا العالم. 

بعضٌ من هذا أو كله أو أكثر منه، هو ما ينتاب الأشخاص الذين تعرضوا لصدمة الفقدان بالانتحار، لا قانون ثابتٍ هنا، ارتكاسات البشر مختلفة، وانهيارتهم كذلك مختلفة، ما يوحدهم في هذه الحالة هو حجم الألم فقط، بغض النظر عن طريقة التعبير عنه، ألمٌ كافي لينسف حياةً بأكملها. 

“كانت عميقة على نحوٍ لا يقاس، محشورة بالظلمة، كأن كل في العالم من ظلمة انصب في كثافتها الشديدة” 

بالطبع، هناك أساليبٌ طبيةٌ عديدة لدعم التعافي من هكذا صدمة، وهناك أساليبٌ ذاتيةٌ أخرى، قد تكون الأهم، تلك التي تستخدم الراحة أو الطبيعة أو الحيوانات الأليفة أو الموسيقى، أو رواية الغابة النرويجية لهاروكي موراكامي. 

فكيف لرواية خيالية أن تساعد من فقد عزيزاً؟ 

الأجواء العامة

تخلق الرواية من صفحتها الأولى جواً نفسياً أشبه بالحدادِ العذب، أجواءٌ زرقاء رمادية، تنبأ القارئ بحدثٍ ما، بموتٍ ما على الطريق “أعرف هذا، أعرف هذه الحالة” يقولها العديدون ممن قرأوا الغابة النرويجية بعد الكوارث التي داهمتهم. 

تبدأ القصة مع تورو المنغمس في مقعد طائرته إلى ألمانيا، أنغام “البيتلز” تعزف من مكبرات الصوت، ومن ثم الدخول إلى عوالم عقله، ذكرياتٌ قديمة عن مرجٍ أخضر وغابة كثيفة وبئرٍ لا قرار له، وكذلك عن أصابع ناعمة تحتضن يده، أصابعٌ لفتاة ما، فتاةٌ لا يصدق جمالها، تبدو وكأن روحها تغمر كل ما حولهما بضياءٍ لطيفٍ منساب، أو هكذا تبدو في عينيه، رومانسيةٌ خلابة، ولكن عند قراءتها من موراكامي، فالبطل يبدو كأنه يقف على حافة جسرٍ دمر من منتصفه والضباب هناك يحيط بكل شيء، شعورٌ قاتلٌ بالوحدة. 

تراتيبة الأحداث المرسومة في الذاكرة

كما في السرد من ذاكرة البطل، يبدأ الزخم الحقيقي بانتقال الشاب الريفي تورو إلى طوكيو لإكمال دراسته، شابٌ هادئ صموت، حتى قبل انتقاله إلى الجامعة، لم يكن يملك سوى صديقين، كيزوكي وناوكو، كان الثلاثة يقضون أغلب وقتهم معاً، البلياردو والنزهات، جلسات الاستماع للموسيقى والأحاديث العشوائية، الاثنان الأخيران صديقان منذ الطفولة، ناوكو وكيزوكي، ومن ثم أقرب لحبيبين، كان الثلاثة سعداء ومكتفين بذاتهم عن العالم، ومن ثم ينتحر كيزوكي. 

انتحارٌ بالغاز، ميتةٌ لا يمكن إدراك هولها، ومن ثم تنقلب حياتهم رأساً على عقب. 

صدمةٌ وإنكار وحيرة ومحاولة هروب، لكن لا يمكن للمرء أن يهرب من ذاته، فحتى بعد سفر تورو وناوكو إلى طوكيو للدراسة بجامعاتٍ مختلفة، لا تزال آثار الجرح عليهما، خيطٌ من مأساة يربط مصير هاتين الروحين. 

التلاقي والافتراق والمحاولات الفردية… تقاطع العوالم

كل منهما في رحلة لإيجاد ذاتهِ الضائعة أو تكوين أخرى جديدة، هنا تظهر آليات تورو للتأقلم، الصحية منها والمرضية، الموسيقى والهوايات الجديدة، الدراسة والحياة الجماعية ضمن مهجع، الإفراط في العمل، الكحول والجنس العشوائي، وأحياناً تأمل يراعةٍ مضيئة على سطح مبنى غارقٍ في الظلام

بعد فترة طويلة من اختفاء اليراعة، بقي أثر من ضوئها في داخلي، شحوبها، رفرفتها ذات الوهج الخافت على جدار الظلمة السميك أمام ناظري مثل نفسٍ ضائعة” 

ثم تنتهي العشوائية باصطدام، يتلاقيان مرة أخرى بالصدفة، يمشيان، نزهاتٌ طويلةٌ صامتةٌ على الأقدام، محادثات متقطعة، يتلاقيان أكثر، يتشاركان في اللقاءات والتهاني والجنس، فتنهار الصبية وتبتعد. 

اذا أرحت جسدي فقد أتداعى، لقد عشتُ دائماً على هذا النحو، لو أني استرخيت لحظة، سأتبعثر قطعاً، وستتطاير القطع متفرقة، كيف لا يمكنك أن ترى ذلك؟ ” 

بدونها جزئياً، يكمل تورو حياته برتابة، خيالاتها لا تفارق وعيه، أمرٌ أشبهُ باليقظة الساعية نحو الواقع، يذكرني هذا بقولِ صديقٍ ما عن كمية الحوارات التي تجري بينه وبين صديقته المتوفية، في عقله فقط بالطبع، هناك حيث يكون الخيالُ ألطف وأكثرُ أمناً من الحقيقة، ولكن المشكلة أنها حياةٌ من منظورِ الشخص الثالث، رؤيةٌ مُبعدة لا تأثير لها على جريان الحياة. 

هذا ما وصفه وعايشه البعض ممن خسروا أحبائهم بالموت، لا قدرة ولا رغبة لفعل أي شيء، حيث لا يوجد ما يمكن القيام به. 

آخر خيوط الواقع… فرصة حبٍ مستقل 

تقتحم فتاةٌ ما حياة تورو، ليست دمية جنسٍ هذه المرة ولا شخصية سطحية، تغمره بتفاصيلها الحية لتجرف جدران الموت المبنية في ذهنه لعزله عن العالم، يرغب بالحديث معها أكثر فأكثر، يتسامران على شرفة تحترق الأبنية من حولها ولا يكترثان. 

فتبدأ الألوان بطلاء عالمه من جديد، من خلال فتاةٍ بريةٍ حية، فينبض الموت بالحب غير المدرَك. 

“أنا سعيد لكوني جئت معك، أعتقدُ بأني أصبح أكثر تكيفاً مع العالم من حولي” 

صدمةٌ أخرى… وفهم الحلول… 

يصطدم تورو بموتٍ آخر، بزلزال يعيث في ذهنه فساداً فيبدأ بالترحال والحياة العشوائية بشكل مبرر للغاية. 

لأنه عند خسارةٍ كالانتحار، لا توجد أي حلول، ولا أي إجابات، هناك الحيرة فقط، وهي التفصيل الأكثر إيلاماً على الإطلاق، العشرات من أسئلة “ماذا لو” وغيرها، فماذا يجب أن يفعل المرء في هكذا حالة؟ 

الإجابة حسب موركامي هي لا شيء، لا يوجد ما هو صحيحٌ وخاطئ للشعور أو القيام به، ولا توجد تصرفاتٌ سليمة أو أخرى مسيئة، كل ما تشعر بهِ هو حق، وكل طرق حياتك صحيحة، لا يمكنك التمسك بمن رحل ولا عكس تدفق الزمن ولا مبادلة الروح بالروح ولا أي صفقةٍ بلهاء أخرى لعقدها مع العدم. 

ولا الغضب الموجه للبشر أو الآلهة، فقط استمر بالبقاء والطوفان في بحر ظلمات عقلك ما أحببت، فقد يكون طوق النجاةِ هو اتصالٌ هاتفي، من المحبوب.

حتى لو بذلت أقصى جهدك، سيتأذى الناس حينما يحين موعد أذيتهم” 

تبرير…

كانت قراءة الغابة النرويجية تجربةٌ شخصية، ومن ثم فأن الكتابة عنها هي تجربة شخصيةٌ كذلك بغض النظر عن مستوى الكتابة، مرهقة إلى حدٍ ما ولكنها قد تكون مفيدة، مفيدة للذات، مفيدة لذكرى أرواح من رحلوا عنا، أو لأولئك الذين يناضلون للبقاء، ولآخر من ذكروا نصيحة واحدة، خذوا نزهة في الغابة النرويجية. 

الغابة مظلمة عميقة عذبة

ولكن هناك وعودٌ يجب أن أحافظ عليها

وأميالٌ يجب أن أقطعها

قبل أن أنام

الصورة الافتراضية
كريم برغوث
المقالات: 4

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: