“قوة العادة” والعلم وراء العادات – كيف يتشكل سلوكنا

“أعتقد أن الماضي كان كارثة في حياتي، ولكن سوف أفترض في الوقت الحالي -حتى العام المقبل- بأن هذا ليس وهماً. ويجب أن يكون أول عمل لإرادتي الحرة هو أن أؤمن بوجود هذه الإرادة”

ويليام جيمس.

مقولة قد ترى أنها التجسيد الفعلي لكل أوهام كتب التنمية البشرية، ولكن الحقيقة غير ذلك.

كتاب قوة العادة أو بالإنجليزية The Power of Habit من تأليف الصحفي الأمريكي تشارلز ديوهيغ، اقتبس في الفصل الأخير منه ذلك الاقتباس من مذكرات الفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس المتوفى سنة 1910. 

مقولة تلت أسوأ مراحل حياة ويليام جيمس، فشل في تعلم الرسم، وفشل في كلية الطب، ثم انغمس بكتابة مذكراته المليئة بكل تلك التوكيدات التي تقرر فشله، وأنه الابن الأشد فشلاً في العائلة.

وبعد أن بدأ يفكر جدياً بالانتحار، قرر ألا يفعل ذلك إلا بعد أن يجرب أن يؤمن -لسنة واحدة- أنه قادر على التغيير للأفضل. 

لم يكن يعلم عند اتخاذه لقراره ذاك أنه اتخذ أفضل قرار في حياته. خلال تلك السنة تزوج، وبدأ التدريس في جامعة هارفارد. 

كتب بعد تلك السنة أن الإرادة والنية والرغبة بالإيمان هم أهم المكونات للإيمان بالتغيير، وأن أهم طريقة للوصول إلى ذلك الإيمان هي العادات.

لكن ما الفرق بين هذا الكتاب وغيره من كتب المساعدة الذاتية، أو ما يتم خلطه خطأً مع كتب التنمية البشرية الزائفة؟

آمال حقيقية من قصص حقيقية

كتب التنمية البشرية تملأ السوق، تجدها على كل رف في كل كل مكتبة. كلها تعدك بأنها ستغير حياتك حتماً للأفضل، وأنك ستكون شخصاً آخر بعد قراءتها، وغير ذلك من الوعود.

أولاً: كل ما استشهد به الكاتب قصص حقيقية -بحكم عمله كصحفي- فقد أجرى الكاتب مقابلات كثيرة مع أشخاص كثر، منهم أصحاب ومدراء شركات كبرى، أو أشخاص عانوا من مشاكل دماغية ما(ذات علاقة بتشكيل العادات).

فهو لا يبيع لك الوهم، كلها أحداث حقيقية موثقة من أصحابها.

كذلك فإن ضرب الأمثلة بالقصص تعد من أكثر الطرق الشائعة لترسيخ الفهم. فعندما تفهم الظروف المحيطة بالقصة، وكذلك مشاعر بطل القصة، و دوافعه وأحلامه وأهدافه -حتى وإن نسيت القصة- فلن تنسى معناها ولن تنسى العبرة منها. كذلك تقريب الفهم لمن لم يتمكن من الفهم مباشرة، فقدرات البشر على الفهم متفاوتة.

الدقة في تسخير المعلومات

لم يكن هذا الكتاب مليئاً بعبارات “أنت تستطيع” – “يمكنك فعلها” كما قد تتوقع من كتب المساعدة الذاتية/التنمية البشرية.

كما ذكر في نهايته الكتاب:

التقارير في هذا الكتاب مبنية على المئات من المقابلات، والآلاف من الأوراق البحثية والدراسات.

ومضمون الكتاب يصدق هذا الزعم بشكل واضح لمن يقرؤه.

كل المعلومات التي استشهد بها الكاتب موثقة بمصادرها، بل و كان يراسل أصحابها ويتأكد من فهمه لهذه المعلومات بإرسال نسخة من ملخص لتلك المعلومات لتتم مراجعتها من قبل أصحابها.

القسم الأخير من الكتاب يحتوي على ما يقارب الستين صفحة من المصادر المتنوعة (من مقابلات ودراسات وأبحاث وغيرها) وقد ساهم هذا التوجه الصحفي -في جمع المعلومات بدقة- إلى سلامة تفسير وتبسيط المعلومات للقارئ.

فالكتاب يستشهد بتجارب مشهورة في الأوساط العلمية كتجربة الفأر والمتاهة التي تشرح كيفية تشكل العادة والفرق بينها وبين الأفعال الجديدة في الدماغ البشري. و تجربة القرود والمكافآت وكيف أن المكافآت تساهم في التحفيز المؤدي إلى تشكيل أي عادة.

فالكتاب مبني على أساس سليم أدى إلى نتيجة سليمة.

في ختام الكتاب، أورد الكاتب تلخيصاً لمضمون الكتاب في حوالي 12 صفحة بعنوان “دليل القارئ لاستعمال الأفكار الواردة في الكتاب”. في هذا الباب يشرح الكاتب خلاصة الكتاب بشكل مباشر بخطوات واضحة وقابلة للتجربة والتطبيق فوراً.

بشكل يقارب الـ 1+1=2 في المباشرة والوضوح.

وبحكم أن هذه الخطوات مدعومة بالتجارب العلمية والشخصية كذلك، فأي قارئ يسعى للتغيير سيجدها مفيدة، وقد لا تدرك كم العادات التي تؤثر على حياتنا سلبياً، وكيف أن حياتنا أفضل بدونها.

سلاسة أسلوب الطرح

تمكن الكاتب من دمج كل ما سبق في مزيج متجانس من الأسلوب الروائي لقصص الفشل والنجاح والحقائق العلمية، مما يجعل كتاب قوة العادة من الكتب الناجحة في إعادة تشكيل طريقة نظرنا للأمور.

فقلما تجد من يمتلك تلك المهارة، حتى بين أساتذة الجامعات والأدباء.

الكاتب تشارلز ديوهيغ استطاع دمج كل تلك العناصر ببراعة في هذا  العمل الصحفي/العلمي/التاريخي (إن صح التعبير) الذي يستحق القراءة، وكل الوقت ستقضيه في قراءته.

الصورة الافتراضية
محمدعلي حلواني
أكتب عما يدهشني أو يستفزني.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: